اضطرابات الأكل: الدليل الشامل لفهم فقدان الشهية العصبي (Anorexia) والشراهة (Bulimia)، الأعراض، المخاطر الصحية، واستراتيجيات العلاج
اضطرابات الأكل (Eating Disorders) هي حالات صحية عقلية خطيرة تتسم باضطرابات مستمرة في سلوكيات الأكل تؤدي إلى تغييرات ضارة في الصحة البدنية والعاطفية. يعد فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa) والشراهة العصبية (Bulimia Nervosa) من أبرز هذه الاضطرابات، وكلاهما يبدأ عادة في أوائل أو أوسط المراهقة، ويشكلان تحدياً كبيراً للصحة العامة، خاصة بين الشابات.
إن فهم هذين الاضطرابين ليس مجرد معرفة سلوكيات الأكل غير الصحية، بل هو إدراك للاضطرابات النفسية العميقة المتجذرة في صورة الجسم، احترام الذات، والقلق المرضي من زيادة الوزن. ولأن المضاعفات الصحية لكلا الاضطرابين قد تكون وخيمة وتصل إلى حد الوفاة (لا سمح الله)، فإن التشخيص والعلاج المبكر أمران حاسمان للنجاح.
1. فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)
فقدان الشهية العصبي هو اضطراب نفسي يتميز بالتقييد المفرط في تناول الطعام خوفاً من زيادة الوزن، مما يؤدي إلى انخفاض وزن الجسم بشكل خطير.
أ. التعريف والخصائص السريرية
التقييد المفرط للوزن: يتمثل في السير على نظام غذائي صارم أو عدم تناول الطعام إلى الحد الذي يفقد عنده الشخص وزنه ليصبح أقل من 85% من وزنه المثالي (أقل من الوزن الطبيعي بنسبة 15% أو أكثر).
الخوف المرضي: يتصف بخوف مرضي شديد ومستمر من الزيادة في الوزن أو السمنة، حتى عندما يكون الشخص نحيفاً بشكل واضح.
تشوه صورة الجسم: اعتقاد الشخص على نحو غير دقيق بأن وزنه زائد، أو أن لديه مناطق معينة من الجسم "سمينة" يجب التخلص منها، على الرغم من نحافته الشديدة.
الطقوس القهرية: استعمال طقوس قهرية لإنقاص الوزن، مثل الحساب الدقيق للسعرات الحرارية، أو الإفراط في التمارين الرياضية (التريض بشكل مفرط).
ب. الأعراض والمضاعفات الجسدية
يبدأ المصابون بفقدان الشهية العصبي بإلغاء بعض الأطعمة من وجباتهم ويدعون تناول بعض الوجبات. ومع هبوط أوزانهم، تتدهور صحتهم تدريجياً، وتشمل الأعراض الجسدية:
2. الشراهة العصبية (Bulimia Nervosa)
تُسمى الشراهة أيضاً الشراهة العصبية (Bulimia Nervosa) أو اضطراب النهم الزائد للطعام. يتميز هذا الاضطراب بنوبات متكررة من الأكل المفرط، يعقبها سلوكيات تعويضية لمحاولة التخلص من السعرات الحرارية المتناولة.
أ. التعريف والخصائص السريرية
نوبات النهم (Binging): عبارة عن تناول كميات هائلة من الطعام (أكثر بكثير مما يأكله معظم الناس في فترة زمنية قصيرة مماثلة) في مدة قصيرة (غالباً أقل من ساعتين)، مع الشعور بفقدان السيطرة على الأكل خلال هذه الفترة.
السلوكيات التعويضية (Purging): يعقب نوبات النهم استخدام سلوكيات تعويضية قهرية لمحاولة التخلص من السعرات الحرارية المتناولة، وتشمل:
القيء الذاتي المتعمد (إرغام الشخص نفسه عليه).
الإفراط في استعمال الملينات (Laxatives) أو مدرات البول.
الصيام المفرط أو ممارسة الرياضة المفرطة.
ب. الأعراض والمضاعفات الجسدية
المصابون بالشراهة أيضاً يخشون الزيادة في الوزن، غير إنهم على عكس المصابين بفقدان الشهية غالباً ما يكون وزنهم طبيعياً أو زائداً قليلاً، ويدركون أن سلوكهم غير طبيعي، وقد يصابون بالاكتئاب والقلق بعد نوبات الأكل. تكون العواقب الصحية وخيمة، وترتبط بشكل مباشر بالقيء واستعمال الملينات:
الجهاز الهضمي والفم: تآكل مينا الأسنان نتيجة التعرض المتكرر لحمض المعدة، تورم الغدد اللعابية، وتقرح أو التهاب الحلق والمريء نتيجة القيء المتكرر.
الكهارل (الأملاح): فرط استعمال الملينات قد يسبب فقداناً خطيراً لكميات السوائل والمعادن (الكهارل)، مما يؤدي إلى اختلال خطير في توازن الكهارل في الجسم (كالنقص الحاد في البوتاسيوم)، وهو ما يهدد بحدوث اضطراب في ضربات القلب والوفاة.
الأعراض العامة: الإرهاق، الهزل، الإمساك، الانتفاخات المزمنة.
3. الحقائق الوبائية والوراثية
تظهر اضطرابات الأكل تفاوتاً كبيراً في الانتشار بين الجنسين:
فقدان الشهية: حوالي 90% من المصابين بفقدان الشهية العصبي من النساء. وتشير الدراسات إلى أن حوالي 0.7% من جميع النساء في الولايات المتحدة مصابات بهذه الحالة.
الشراهة: الشراهة أكثر شيوعاً بكثير. توصلت الدراسات التي أجريت على الإناث من طالبات المدارس الثانوية والكليات الجامعية إلى أن ما بين 4.5% إلى 18% منهن مصابات بالشراهة.
مثل العديد من الاضطرابات النفسية، يبدو أن لفقدان الشهية والشراهة أسباباً وراثية، حيث نجدهما منتشرين في عائلات معينة، مما يشير إلى وجود قابلية بيولوجية للإصابة.
4. المقاربات العلاجية والتعافي
علاج كلا الاضطرابين يحقق أفضل قدر من النجاح كلما بدأ مبكراً. إذا شككت إنك أو شخصاً ما تعرفه مصاب بفقدان الشهية أو الشراهة، فابحث عن المعونة الطبية والنفسية بأسرع ما يمكن.
أ. التدخل الطبي والطوارئ
الحاجة لدخول المستشفى: قد ينصح الطبيب بدخول المستشفى إذا كان الوزن أقل من الوزن المثالي بأكثر من نسبة 30%، أو في حالة وجود اختلالات كيميائية خطيرة تهدد وظائف القلب. الهدف الأولي هو تثبيت الوزن والتوازن الكيميائي في الجسم.
ب. العلاج النفسي والسلوكي (الركيزة الأساسية)
العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy - CBT): يُعد العلاج المعرفي السلوكي المنهج الأكثر فعالية، ويسعى نحو:
إقناع المصابين بأن رأيهم بأنهم زائدي الوزن رأي خاطئ وغير دقيق، وأن محاولاتهم لإنقاص أوزانهم ليست عقلانية.
تعديل السلوك: يتضمن تنمية الاتصال مع الشخص وتشجيعه على زيادة وزنه (في حالة فقدان الشهية) أو وقف نوبات التطهير (في حالة الشراهة) مقابل مكافآت معينة.
العلاج الأسري (Family-Based Therapy - FBT): مهم لمساعدة العائلات على فهم طبيعة المرض، ودورها في دعم التعافي. غالبًا ما يكون هذا النوع من العلاج هو الخيار الأول للشابات الأصغر سناً المصابات بفقدان الشهية.
ج. العلاج الدوائي
قد توصف الأدوية (مثل مضادات الاكتئاب) للمصابين الذين يعانون أيضاً من الاكتئاب أو القلق أو العادات القهرية، حتى يتمكنوا من التجاوب بشكل أفضل مع العلاج النفسي والسلوكي. على سبيل المثال، قد تساعد بعض مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) في علاج الشراهة، خاصة بعد تثبيت الوزن.
5. التشخيص المبكر والأمل في الشفاء
تعتبر اضطرابات الأكل من الأمراض المعقدة التي تتطلب فريقاً علاجياً متعدد التخصصات (أخصائي تغذية، طبيب نفسي، معالج نفسي). الشفاء التام ممكن، خاصة مع التدخل المبكر والدعم المستمر.
إن الوعي بهذه الاضطرابات والبحث عن العلامات التحذيرية في الأصدقاء والعائلة، مثل الإفراط في الحميات الغذائية، أو الانشغال بالوزن، أو السلوكيات السرية حول الطعام، يمثل الخطوة الأولى لإنقاذ حياة المصابين.
